وصل رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الإندونيسية جاكرتا مساء السبت 10 أكتوبر 2026، في ختام جولة آسيوية بدأت في كوريا الجنوبية ومرّت بماليزيا، بحسب ما يوضحه الدكتور محمد ذو الفقار رحمت في مقاله الذي يتناول أبعاد زيارة السيسي إلى إندونيسيا، وآفاق التعاون الاقتصادي والأمني بين البلدين، ومواقفهما من قضايا النيل والبحر الأحمر وفلسطين.
ونشر موقع «ميدل إيست مونيتور» المقال مسلطًا الضوء على مساعي القاهرة للتوجه شرقًا بحثًا عن التمويل والتكنولوجيا والشركاء، في وقت تشهد فيه المنطقة اضطرابات متصاعدة. وفي المقابل، تسعى جاكرتا إلى بناء شراكة موثوقة عند الطرف البعيد من الطريق البحري الذي يربط آسيا بأوروبا.
وكان الرئيسان قد التقيا قبل شهر واحد فقط، خلال قمة مجموعة بريكس في نيودلهي. وتضم المجموعة اقتصادات كبرى ونامية، وانضمت إليها مصر وإندونيسيا. ويشير تكرار اللقاء خلال فترة وجيزة إلى رغبة البلدين في تنويع شراكاتهما وتوزيع رهاناتهما السياسية والاقتصادية على أطراف متعددة، بما يمنع أي قوة منفردة من امتلاك نفوذ مفرط على قراراتهما.
وفي أبريل 2025، اتفق الرئيسان على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، بما يعكس التزامًا بالتعاون طويل الأمد. ووقّع وزيرا خارجية البلدين، يوم الأحد، خطة عمل تهدف إلى تحويل هذا التوصيف إلى برامج ومهام عملية.
وشملت الاتفاقات الأصغر تسهيل دخول المسؤولين دون تأشيرات، والتعاون في مجال الإحصاءات، إلى جانب التعاون في قطاع مصايد الأسماك. وتكتسب الاتفاقية الأخيرة أهمية خاصة، إذ يتكبد البلدان خسائر بسبب الصيد غير القانوني، ويمكنهما تبادل الخبرات والتقنيات اللازمة لتعقب سفن الصيد المخالفة.
لكن الاقتصاد يظل نقطة الضعف الأساسية في هذه الشراكة. فقد أعلن الرئيس الإندونيسي برابوو سوبيانتو أن الجانبين سيعملان على التوصل إلى اتفاق للشراكة الاقتصادية، من شأنه خفض الرسوم الجمركية وتخفيف القيود المفروضة على حركة السلع عبر الحدود. كما رحّب بإنشاء صندوق استثماري مشترك.
تحتاج مصر بشدة إلى الاستثمار الأجنبي، فيما تسعى إندونيسيا إلى إيجاد أسواق جديدة في إفريقيا والعالم العربي، وقد تشكل مصر بوابتها إلى هذه الأسواق. لكن الجانبين لم يعلنا عن أرقام محددة، ما يعني أن هذه الخطوات لا تزال في إطار النوايا والتوجهات المعلنة.
التعاون الاقتصادي والدفاعي.. شراكة تتجاوز الوعود الدبلوماسية
قد يكون التعاون الدفاعي أكثر مجالات الشراكة قابلية للتحول إلى صفقات تجارية فعلية. فقد اتفق الرئيسان على تعميق التعاون في الصناعات الدفاعية. وتُعد مصر من كبار مستوردي الأسلحة، بينما تسعى الشركات الإندونيسية المملوكة للدولة، التي تنتج السفن والطائرات والذخائر، إلى الحصول على طلبات تصدير جديدة.
ويدعم التعاون التعليمي هذه العلاقات على المدى الطويل. فقد عرضت مصر زيادة المنح الدراسية في مجالات الطب والهندسة والعلوم، إضافة إلى آلاف الطلاب الإندونيسيين الذين يدرسون بالفعل في جامعة الأزهر. وقد يصبح هؤلاء الطلاب، مستقبلًا، حلقة وصل بشرية وثقافية تعزز العلاقات بين البلدين.
لكن التطورات الأمنية الإقليمية ألقت بظلالها على أجواء المحادثات. فقبل يوم واحد من اللقاءات، أسفر هجوم على مطار الرياض الرئيسي عن مقتل 12 شخصًا، فيما تصاعد القتال في اليمن بالقرب من باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
وتضطر السفن التي تتجنب المرور عبر هذا الممر إلى الالتفاف حول إفريقيا، ما يرفع تكاليف الصادرات الإندونيسية ويقلص إيرادات قناة السويس المصرية. ومن ثم، فإن دعوة الرئيسين إلى التهدئة لا ترتبط بالمبادئ الأخلاقية وحدها، بل تمس المصالح التجارية والاقتصادية للبلدين بصورة مباشرة.
تعهد بشأن مياه النيل وموقف من القضية الفلسطينية
جاءت الخطوة الأبرز في ملف المياه، عندما أعلن برابوو دعم إندونيسيا جهود مصر لضمان حقوقها في مياه نهر النيل. وتعتمد مصر على النهر في توفير الغالبية العظمى من مواردها المائية العذبة، وتخشى أن يؤدي السد الإثيوبي الضخم المقام على مجرى النهر إلى تقليص تدفق المياه إليها.
ويمثل هذا الموقف تحولًا لافتًا بالنسبة إلى دولة تتجنب عادةً الانحياز الصريح إلى أحد أطراف النزاعات. فمن شأنه تعزيز الثقة بين جاكرتا والقاهرة، لكن إثيوبيا عضو أيضًا في مجموعة بريكس، كما أنها تمثل سوقًا آخذة في النمو. لذلك، سيتعين على الدبلوماسيين الإندونيسيين الحفاظ على علاقات جيدة مع الطرفين، رغم تعارض مصالحهما في ملف النيل.
أما في ما يتعلق بفلسطين، فقد أدان الرئيسان المستوطنات الإسرائيلية، وأعاد السيسي التأكيد على صيغة حل الدولتين استنادًا إلى حدود عام 1967. ويرى الكاتب أن هذه الصيغة تجاوزها الواقع، مشيرًا إلى أن المستوطنات ابتلعت مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، وأن المفاوضات الجادة توقفت منذ فترة طويلة، رغم مرور ثلاثة عقود على اتفاقيات أوسلو.
ويتمسك المدافعون عن حل الدولتين بأنه الخطة الوحيدة التي تحظى بدعم الأمم المتحدة، لكن الكاتب يرى أن الهدف الذي يتعذر تحقيقه لا يصلح سياسةً عملية.
ويقترح أن تقدم جاكرتا والقاهرة دعمًا أكبر للفلسطينيين عبر الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية واحدة، يتمتع فيها الجميع بحقوق المواطنة المتساوية ويملكون صوتًا انتخابيًا واحدًا، في كامل المنطقة الواقعة بين النهر والبحر.
كما تعهد الرئيسان بالمساعدة في إعادة إعمار قطاع غزة. غير أن الكاتب يرى أن جهود إعادة البناء لن تحقق غايتها في غياب حل سياسي حقيقي، لأن تشييد المباني من دون معالجة جذور الصراع لا يفعل سوى تمويل الدمار التالي.
ودعا برابوو السيسي إلى اعتبار إندونيسيا وطنًا ثانيًا له، فيما يذكّر المسؤولون الإندونيسيون باستمرار بأن مصر كانت أول دولة تعترف باستقلال إندونيسيا. ويفتح التاريخ الباب أمام التقارب، لكن تحويل هذا الإرث إلى شراكة مؤثرة يتطلب استراتيجية واضحة وخطوات عملية.
اختبار النتائج.. هل تتحول الزيارة إلى شراكة حقيقية؟
مع الزيارة المقبلة للسيسي، ستظهر مؤشرات واضحة على مدى نجاح هذه التحركات. فهل بدأت مفاوضات التجارة بالفعل؟ وهل وُضعت أموال في الصندوق الاستثماري المشترك؟ وهل بدأت مصر في استخدام معدات دفاعية إندونيسية؟ وهل ظهر موقف أكثر صراحة وواقعية تجاه القضية الفلسطينية؟
إذا تحققت هذه الخطوات، فستكون زيارة جاكرتا قد حققت نتائج ملموسة. أما إذا ظلت الاتفاقات حبيسة التصريحات والمراسم الرسمية، فلن تتجاوز الزيارة كونها مناسبة بروتوكولية.
وتكشف الزيارة عن تقاطع المصالح المصرية والإندونيسية في مجالات التجارة والدفاع والتعليم والأمن البحري، فضلًا عن ملفات النيل وغزة. لكن نجاح هذه الشراكة لن يُقاس بعدد الاتفاقات الموقعة أو التصريحات المشتركة، بل بقدرة الطرفين على تحويل وعودهما إلى استثمارات وتعاون فعلي ومواقف سياسية قابلة للتنفيذ.
https://www.middleeastmonitor.com/20261011-el-sisi-in-jakarta-trade-promises-a-nile-pledge-and-an-outdated-palestine-formula/

